عبد الكريم الخطيب

29

التفسير القرآنى للقرآن

لدعوة الرسل حكمة ، ولما كان لعرض رسالاتهم على الناس معنى ، لأنهم إنما يبعثون إلى قوم كافرين ، فيستجيب لهم من يستجيب ، ويقيم على كفره من حقّ عليه القول منهم . . أما تيئيس الكافرين مطلقا ، والحكم عليهم بألا يؤمنوا أبدا ، فذلك بعيد عن حكمة اللّه في ابتلاء الناس واختبارهم ، وإقامة الحجة عليهم ، بإرسال الرسل إليهم . . « لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ » ( 42 : الأنفال ) . وقوله تعالى : « خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ، وَعَلى سَمْعِهِمْ ، وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ، وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ » هو كشف لما اشتمل عليه كيان هؤلاء الكافرين الذين لا يتحولون عن كفرهم أبدا ، بما قام في كيانهم من حواجز تعزلهم عن التجاوب مع دعوة الإيمان ، ولا تسمح لشعاعة من شعاعات الحق أن تخترق تلك الحواجز ، فقد « خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ » . . والختم على الشيء وضع خاتم عليه ، أشبه بالقفل المحكم ، بحيث لا ينفذ إليه شئ . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى في آية أخرى : « أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها » . ( 24 : محمد ) * « وَعَلى سَمْعِهِمْ » أي وختم على سمعهم ، فالواو هنا للعطف على قوله تعالى : « خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ » والختم على السمع : الضرب عليه بحجاب ، فلا تنفذ منه دعوة الحق إلى موطن الإدراك من العقل ، فهم أشبه بالنائم المستغرق في نومه ، حواسه كلها سليمة ، ولكنها معطلة لا تعمل في تلك الحال . . كما يقول سبحانه وتعالى في أصحاب الكهف : « فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً » . ( 11 : الكهف ) . * « وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ » . . أي أن أبصارهم لا ترى الأشياء رؤية واضحة ، بل تبدو المرئيات لها مهزوزة غائمة ، تضطرب في مجال الرؤية ، فلا يعرف الرائي حقيقة ما رأى .